فصل: تفسير الآية رقم (77):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (75):

{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)}
{وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم} ومثل هذا التبصير نبصره، وهو حكاية حال ماضية. وقرئ: {ترى} بالتاء ورفع الملكوت ومعناه تبصره دلائل الربوبية. {مَلَكُوتَ السموات والأرض} ربوبيتها وملكها. وقيل عجائبها وبدائعها والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة. {وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} أي ليستدل وليكون، أو وفعلنا ذلك ليكون.

.تفسير الآية رقم (76):

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)}
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبّى} تفصيل وبيان لذلك. وقيل عطف على قال إبراهيم وكذلك نري اعتراض فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، وجن عليه الليل ستره بظلامه والكواكب كان الزهرة أو المشتري وقوله: {هذا رَبّى} على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإِفساد، أو على وجه النظر والاستدلال، وإنما قاله زمان مراهقته أو أول أوان بلوغه. {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غاب. {قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين} فضلاً عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الأمان والحدوث وينافي الألوهية.

.تفسير الآية رقم (77):

{فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)}
{فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً} مبتدئاً في الطلوع. {قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين} استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشاداً لقومه وتنبيهاً لهم على أن القمر أيضاً لتغير حاله لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلهاً فهو ضال.

.تفسير الآية رقم (78):

{فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)}
{فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى} ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث. {هذا أَكْبَرُ} كبره استدلالاً أو إظهاراً لشبهة الخصم. {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال:

.تفسير الآيات (79- 80):

{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)}
{إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين} وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضاً انتقال لتعدد دلالته، ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال.
{وَحَاجُّهُ قَوْمُهُ} وخاصموه في التوحيد. {قَالَ أَتُحَاجُّونّى في الله} في وحدانيته سبحانه وتعالى. وقرأ نافع وابن عامر بخلاف عن هشام بتخفيف النون. {وَقَدْ هَدَانِ} إلى توحيده. {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} أي لا أخاف معبوداتكم في وقت لأنها لا تضر بنفسها ولا تنفع. {إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً} أن يصيبني بمكروه من جهتها، ولعله جواب لتخويفهم إياه من آلهتهم وتهديد لهم بعذاب الله. {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَئ عِلْماً} كأنه علة الاستثناء، أي أحاط به علماً فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من جهتها. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز.

.تفسير الآية رقم (81):

{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)}
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} ولا يتعلق به ضر. {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله} وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع، وتسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضار النافع. {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا} ما لم ينزل بإشراكه كتاباً، أو لم ينصب عليه دليلاً. {فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن} أي الموحدون أو المشركون، وإنما لم يقل أينا أنا أم أنتم احترازاً من تزكية نفسه. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما يحق أن يخاف منه.

.تفسير الآية رقم (82):

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)}
{الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} استئناف منه أو من الله بالجواب عما استفهم عنه، والمراد بالظلم هاهنا الشرك لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان لابنه {يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}» وليس الإِيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ويخلط بهذا التصديق الإِشراك به. وقيل المعصية.

.تفسير الآية رقم (83):

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}
{وَتِلْكَ} إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل} إلى قوله: {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أو من قوله: {أَتُحَاجُّونّى} إليه. {حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم} أرشدناه إليها أو علمناه إياها. {على قَوْمِهِ} متعلق ب {حُجَّتُنَا} إن جعل خبر تلك وبمحذوف إن جعل بدله أي: آتيناها إبراهيم حجة على قومه. {نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء} في العلم والحكمة. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في رفعه وخفضه. {عَلِيمٌ} بحال من يرفعه واستعداده له.

.تفسير الآية رقم (84):

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)}
{وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} أي كلا منهما. {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} من قبل إبراهيم، عد هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه وشرف الوالد يتعدى إلى الولد. {وَمِن ذُرّيَّتِهِ} الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ الكلام فيه. وقيل لنوح عليه السلام لأنه أقرب ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها والمذكورون في الآية الثالثة عطف على نوحاً. {دَاوُودُ وسليمان وَأَيُّوبَ} أيوب بن أموص من أسباط عيص بن إسحاق. {وَيُوسُفَ وموسى وهارون وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين} أي ونجزي المسحنين جزاء مثل ما جزينا إبراهيم برفع درجاته وكثر أولاده والنبوة فيهم.

.تفسير الآية رقم (85):

{وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)}
{وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى} هو ابن مريم وفي ذكره دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت. {وَإِلْيَاسَ} قيل هو إدريس جد نوح فيكون البيان مخصوصاً بمن في الآية الأولى. وقيل هو من أسباط هارون أخي موسى. {كُلٌّ مّنَ الصالحين} الكاملين في الصلاح وهو الإِتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي.

.تفسير الآية رقم (86):

{وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)}
{وإسماعيل واليسع} هو الليسع بن أخطوب. وقرأ حمزة والكسائي {والليسع} وعلى القراءتين هو علم أعجمي أدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله:
رَأَيْتُ الوَلِيْدَ بن اليزيد مُبَارَكا ** شَدِيداً بِأَعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهُ

{وَيُونُسَ} هو يونس بن متى. {وَلُوطاً} هو ابن هاران أخي إبراهيم. {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين} بالنبوة، وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق.

.تفسير الآيات (87- 92):

{وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)}
{وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم} عطف على {كَلاَّ} أو {نُوحاً} أي فضلنا كلاً منهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً. {واجتبيناهم} عطف على {فَضَّلْنَا} أو {هَدَيْنَا}. {وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} تكرير لبيان ما هدوا إليه.
{ذلك هُدَى الله} إشارة إلى ما دانوا به. {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية. {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع فضلهم وعلو شأنهم. {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها.
{أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب} يريد به الجنس. {والحكم} الحكمة أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق. {والنبوة} والرسالة. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} أي بهذه الثلاثة. {هَؤُلاء} يعني قريشاً. {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بمراعاتها. {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين} وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم. وقيل هم الأنصار أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو كل من آمن به أو الفرس. وقيل الملائكة.
{أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله} يريد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدم ذكرهم. {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} فاختص طريقهم بالاقتداء والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعاً. فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله، والهاء في {اقتده} للوقف ومن أثبتها في الدرج ساكنة كابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وأشبعها بالكسر ابن عامر برواية ابن ذكوان على أنها كناية المصدر وكسرها بغير إشباع برواية هشام. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على التبليغ أو القرآن. {أَجْراً} جعلاً من جهتكم كما لم يسأل من قبلي من النبيين، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه. {إِنْ هُوَ} أي التبليغ أو القرآن أو الغرض. {إِلاَّ ذكرى للعالمين} إلا تذكيراً وموعظة لهم.
{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} وما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإِنعام على العباد. {إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَئ} حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته أو في السخط على الكفار وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة، والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم، وإلزامهم بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ} وقراءة الجمهور {تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} بالتاء وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملاً على قالوا وما قدروا، وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمهم على تجزئتها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه.
وروي: «أن مالك بن الصيف قاله لما أغضبه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين قال: نعم إن الله يبغض الحبر السمين، قال عليه الصلاة والسلام: فأنت الحبر السمين» وقيل هم المشركون وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان من المشهورات الذائعة عندهم ولذلك كانوا يقولون {لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ} {وَعُلّمْتُمْ} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. {مَا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ} زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم ونظيره {إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وقيل الخطاب لمن آمن من قريش {قُلِ الله} أي أنزله الله، أو الله أنزله. أمره بأن يجيب عنهم إشعاراً بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيهاً على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. {ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ} في أباطيلهم فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة. {يَلْعَبُونَ} حال من هم الأول، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال منهم الأول، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال من مفعوله، أو فاعل يلعبون أو من هم الثاني والظرف متصل بالأول.
{وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ} كثير الفائدة والنفع. {مُّصَدّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة أو الكتب التي قبله. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى} عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ولتنذر أو علة لمحذوف أي ولتنذر أهل أم القرى أنزلناه، وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأناً. وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء {وليندز} الكتاب. {وَمَنْ حَوْلَهَا} أهل الشرق والغرب. {والذين يُؤْمِنُونَ بالأخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب، والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة وتخصيص الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإِيمان.